أحمد بن يحيى العمري
97
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق [ خطا الأطوال والعروض . . . الشرق والغرب أمر نسبي ] والذي نقوله على سبيل التحقيق أنّ الذي صوّر في لوح الرسم على ما رسمه صاحب ( ص 23 ) جغرافيا قسمة المعمور على قسمين ، شرقي يلاقي فيه خطان وهميان في الطول والعرض على زوايا قائمة ، وهما خطا الأطوال والعروض سمّوا ملتقى الخطين حيث انفرق المعمور على قسمين بقبة أرين ، وهو وسط خط الاستواء الخارجة عنه الأقاليم إلى الشمال ، والمقدّران بإقليمين إلى جهة الجنوب ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في مواضع في هذا الكتاب « 1 » ، فلما قسم المعمورة بقسمين وقع في الغربي منها أشرف البقاع : مكة والمدينة والقدس ، والطور ومصر وطور سينا ، والمواضع المذكورة بصريح الاسم في القرآن والمدائن المذكورة في الحديث المشهور على قائله أفضل الصلاة والسلام . وأجلّ الأقاليم الغربية كفارس والعراق والشام وجزيرة العرب ، ولم يبق للشرق بقية يباهي بها المغرب ، على أنّ الأمر ليس كذلك ، والله أعلم . فإنّ كلا من الشرق والغرب من حيث هو أمر نسبي ، ألا ترى أنّ أهل إفريقية يعدون برّ العدوة غربا ، وبرقة شرقا ، وأهل برقة يعدّون إفريقية غربا ومصر شرقا ، وأهل مصر يعدّون برقة غربا ، وأهل الشام شرقا ، وأهل الشام يعدّون مصر غربا ، والعراق شرقا ، وهلمّ جرّا إلى نهاية المشرق ، فتبيّن حينئذ أنّ قول الشرق والغرب أمر نسبي ، وإذا تبيّن هذا ، وقد تقرر أنّ العالم كروي « 2 » ، وأنّه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونا صار مشرق هذا العالم مغربا لتلك الجهة ومغربه مشرقا ،
--> ( 1 ) انظر هذا في ص 28 و 29 من هذا الجزء . ( 2 ) في الأصل ( كري ) وما أثبته أصوب .